الشيخ محمد رشيد رضا

12

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

القصد في اتخاذ الصدقات ضد اتخاذ المنافقين إياها مغرما . والقربات كالقرب جمع قربة ( بضم القاف ) وهي في المنزلة والمكانة ، كالقرب في المكان والقرابة ، والقربى فيه الرحم ، والأصل في الكل واحد وهو الدنو من الشيء مطلقا ، فقصد القربة في العمل هو الاخلاص وابتغاء مرضاة اللّه ورحمته ومثوبته فيه . وجمعها باعتبار تعدد النفقات ففيه إيماء إلى اخلاصهم في كل فرد منها . والصلوات جمع صلاة ومعناها ، أو أحد معانيها في أصل اللغة الدعاء واطلاقها على العبادة المخصوصة من أركان الاسلام شرعي وجهه ان الدعاء هو روحها الأعظم لأنه مخ العبادة وسرها الذي تتحقق به العبودية على أكمل وجوهها ، وهو في الفاتحة فريضة ، وفي السجود فضيلة ، ويأتي قريبا بيان هذه الصلوات على المتصدقين في تفسير الآية ( 103 ) . وقد بين اللّه تعالى جزاء هؤلاء الاعراب على ما شهد لهم به من صدق الايمان واخلاص النية في الانفاق في سبيل اللّه ، وأدائهم به حق اللّه ، وهو قصد القربة عنده ، وحق الرسول وهو طلب دعائه لهم بقبول نفقتهم وإثابتهم عليها ، فقال بأسلوب الاستئناف المشعر بالاهتمام أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ وهو إخبار بقبوله تعالى لنفقتهم مؤكد بافتتاحه بأداة التنبيه الدالة على الاهتمام بما بعدها وهي ( ألا ) وب [ إن ] الدالة على تحقيق مضمون الجملة وبالجملة الاسمية فقوله تعالى [ إِنَّها قُرْبَةٌ ] راجع إلى النفقة المأخوذة من قوله [ ما يُنْفِقُ ] فافراد القربة لأنها خبر لضمير المفرد وقوله سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ تفسير لهذه القربة والمراد بالرحمة هنا الرحمة الخاصة بمن رضي اللّه عنهم وهي هداية الصراط المستقيم وما تنتهي اليه من دار النعيم ، ومعنى إدخالهم فيها أن يكونوا مغمورين فيها وتكون هي محيطة بهم شاملة لهم ، وهذا أبلغ من مثل ( يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ ) والسين في قوله [ سَيُدْخِلُهُمُ ] لتأكيد الوعد وتحقيقه وتقدم مثله . وعلله بقوله : إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي واسع المغفرة والرحمة يغفر للمخلصين في أعمالهم ما يلمون به من ذنب أو تقصير ، وبرحم الصادقين في ايمانهم فيهديهم به إلى أحسن العمل وخير المصير ، وفي الآية من بلاغة الايجاز ما يدل على علو مقام هؤلاء الاعراب